أو

الدخول بواسطة حسابك بمواقع التواصل

#1

افتراضي آيات الذرية ومضامينها التربوية 1

آيات الذرية ومضامينها التربوية 1

آيات الذرية في سورة البقرة ومضامينها التربوية

الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 124].
إن المتأمل في هذه الآية الكريمة، وهي أول آية جاءت فيها لفظة الذرية في القرآن الكريم، يلحظ أنها ركزت على قضيتين أساسيتين في حياة الإنسان، وهي: القيام بالواجبات الشرعية، واعتماد الأولاد على أنفسهم، وكأنها في رأيي مقدمـة لبقية الآيات المتناولة للفظة الذرية:
أولًا: القيام بالواجبات الشرعية على أكمل وجه:
إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بتكاليف شرعية لا تقوم الحياة ولا تصلح إلا بها، وجعل لكل منهم إرادة الخير والشر، وكل ذلك يدور في فلك قضيَّة من أهم القضايا التي وُجد الإنسان من أجلها تلكم هي: قضية الابتلاء؛ قال الله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2].
وقضية الابتلاء هذه كان أشرف الخلق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عرضة لها، بل أشد الناس بلاءً؛ فعَنْ عَبْدِاللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: "أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ قَالَ: أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَـا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا"؛ (صحيح البخاري، حديث رقم: 5648، كتاب: المرضى، باب: أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل).
وفي الحديث الشريف سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي النـاس أشد بلاءً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ: َيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"؛ (سنن الترمذي، حديث رقم 2398، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء).
المهم في هذه القضية أن الإنسان يجب أن يستقر في ذهنه وقلبه وشعوره، ويربي أولاده ومَن حوله على أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، وأن يتفاعل مع الابتلاء تفاعلًا إيجابيًّا سواءً كان الابتلاء شرًّا، أم خيرًا بما ورد من نصوص الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، فكلاهما خير له، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"؛ (صحيح مسلـم، حديث رقم 7500، كتاب: الزهد، باب: المؤمن أمره كله خير).
ثانيًا: اعتماد الأولاد على أنفسهم:
إن الرفعة والمنزلة التي حصلت للآباء والأجداد بما لاقوه في حياتهم من ابتلاء، وتفاعلوا معه تفاعلًا إيجابيًّا للغاية ربما لا تحصل هذه الرفعة والمنزلة للأولاد بالوراثة، فسنة الله تعالى الجارية أن يجتهد الأولاد لتأسيس مكانتهم الاجتماعية بطاعة الله تعالى، وطلب مرضاته، وبالصبر، وبالسهر، والتعب، والجد، والاجتهاد، والمثابرة، وبذلك تتحقق لهم بإذن الله تعالى المكانة المرموقة التي يتطلعون إليها، فمن جَدَّ وَجَدْ، ومن سار على الدرب وصل، أما من حاد وابتعد، وظلم نفسه بأي نوع من أنواع الظلم، فقد وضع لنفسه عقبات، وحواجز حسية، ومعنوية تقف حائلًا أمام تقدُّمه، وتفوُّقه، وحصوله على ما يتطلع إليه من آمال وطموحات.


ومن صور التربية الخاطئة اليوم لدى كثير من الآباء:
إهمال هذا التوجيه بمعنى أنهم لا يغرسون في أولادهم في سني حياتهم الأولى الاعتماد على النفس، وتكليفهم ببعض المهمات اليسيرة لأنفسهم خاصة، ولوالديهم عامة، من باب تدريبهم، وتعويدهم لِتَحَمُّلِ مسؤوليات أكبر في المستقبل، فتجد الوالدين فقط منهمكين في تلبية جميع احتياجات أولادهم؛ بحيث لا يشعرونهم البتة بمسؤوليتهم في هذه الحياة، فيشبون على ذلك، وهم لا يعرفون من أمور حياتهم العملية شيئًا، ولو صادف الولد أي عارض في حياته، فإنه لا يعرف كيف يتصرف! وأول ما يفكر فيه هو البحث عن والديه لحل المشكلة التي واجهتْه، وهذا للأسف واقع مشاهد ومحسوس!
لذلك أضع هذا التوجيه التربوي الإسلامي المهم أمام الوالدين للعمل على تطبيقه مع أولادهم، وربما لو نظروا بعين فاحصة لمن أخذ به وطبَّقه مع أولاده، لوجدوا حقيقته، وثمرته، وشاهدوا الفرق بين أولادهم، وبين أولاد غيرهم.
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 128].
أشارت هذه الآية الكريمة إلى ثلاثة مضامين تربوية مهمة؛ هي: الدعاء المستمر للنفس وللأولاد، وطلب العلم الشرعي، والتبصر بأمور الدين، والتوبة والإنابة إلى الله تعالى،
وفيما يلي عرض لهذه المضامين:


أولًا: الدعاء المستمر للنفس وللأولاد:
إن الدعاء عبادة عظيمة يتجلى فيها الافتقار، والخضوع، والحاجة لله جلَّ وعلا، وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "الدعاء هو: العبادة"؛ (سنن أبي داود، حديث رقم 1479، كتاب: الوتر، باب: الدعاء)، ثم إنه بحـول الله تعالى وقوته يصارع القدر، ويرد شره، ويستعجل خيره، وثبت في الحديث الشريف عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغني حذرٌ من قـدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل، فيتلقـاه الدعاء، فيعتلجـان إلى يوم القيامة "؛ (الحاكم في المستدرك، حديث رقم: 1813، كتاب: الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا"؛ (سنن ابن ماجه، حديث رقم: 90، كتاب: السنة، باب: في القدر).
وإن الله تعالى لا يرد مَن دعاه وتوجـه إليه، فهو الكريم الجوَاد اللطيف بعباده، وقد تأكَّد ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، فالأهم أن ندعو الله تعالى ونصدق معه، فالإجابة مضمونة؛ لأنه سبحانه وعد بهـا، ومن أصدق من الله تعالى وعدًا ووفاءً؟!
إن أفضل ما يدعو به الإنسان المسلم هو أن يكون من الموحدين لله تعالى قولًا وسلوكًا، وأن يتعدى هذا الدعاء إلى صلاح الذرية؛ لأن صلاحهم مطلب كل والدين ينشدان الخير، والاستقامة لأولادهم، وأولاد أولادهما إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.
ولقد سمعت أذناي أكثر من مرة آباءً يدعون لأولادهم بالهداية والصلاح بعد أن تلقَّفتهم الشهوات، وأصدقاء السوء، والعياذ بالله، فانحرفوا عن جادة الطريق، وبعد مناجاة وإلحاح، وقُربٍ من الله تعالى، رأيت هؤلاء الأولاد، وقد عادوا إلى الطريق المستقيم، فحافظوا على الصلوات، وبروا والديهم، ووصلوا أرحامهم، وأكملوا مشوارهم العلمي والعملي!
فاحرص أيها الأب، وأيتها الأم على هذا التوجيه المبارك، فله من الخير والبركة ما لا يخطر في بالكما.


ثانيًا: طلب العلم الشرعي والتبصر بأمور الدين:
من أوجب الواجبات على المسلم أن يتبصر بأمور دينه؛ لكي يستطيع أن يعبد الله تعالى وَفق ما شرع من غير زيادةٍ أو نقصان، فقد أكدت الشريعة الإسلامية طلبَ العلم في أكثر من توجيه؛ قـال صلى الله عليـه وسلم: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"؛ ( سنن ابن ماجه، حديث رقم: 224، كتاب: السنة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم)، وقـال صلى الله عليه وسلم: "مَـنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"؛ (صحيح البخاري، حديث رقم:71، كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).
ولا شك أن تَعَلُّمَ الوالدين العلوم الشرعية الأساسية ينعكس إيجابًا، وبشكل طبيعي على الأولاد، فيتعلمون من والديهم بالمحاكاة، والتقليد، والسؤال عما يعرض لهم في حياتهم من تساؤلات، واستفسارات تقتضيها مراحل عمرهم التي يمرون بها.
وفي الوقت ذاته يجب على الوالدين أن يحرِصا على اقتناء الكتب الشرعية الأساسية؛ مثل: تفسير القرآن الكريم، ومختصر صحيح البخاري ومسلم، وبعض كتب الفقه المختصرة، ومجموعة من كتب الفتاوى للعلماء المعتبرين، ومجموعة من كتب الأعلام والسير، والموسوعات العلمية، وما أشبه ذلك، ولعل أسطوانات "الكمبيوتر" الآن تقدم الكثير من العلوم الشرعية بسرعة فائقة، وبأسعار زهيدة، وربما مجانية.
وفي يقيني إذا نشأ الأولاد على هذا الجو العلمي العائلي، الأب من جهة، والأم من جهة ثانية، فلا شك ولا ريب سيؤثر ذلك إيجابًا على تبصير الأولاد بالكثير من العلوم الشرعية، وتكون في الوقت ذاته سياجًا وحصنًا منيعًا بحول الله وقوته من الانحراف، وارتكاب المحظورات الشرعية.


ثالثًا: التوبة والإنابة إلى الله تعالى:
لا يوجد إنسان على وجه الأرض لا يخطئ عدا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد عصمهم الله من الخطأ والزلل، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقـال: " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ " ( سنن الترمذي، حديث رقم: 2499، كتاب: صفة القيامة، باب: في استعظام المؤمن ذنوبه).
والمضامين الشرعية من القرآن الكريم، والسنة المطهرة في هذا الموضوع كثيرة جدًّا، وليس هذا مجال بسطها، ولكن هدفنا هنا التذكير بأهمية التوبة والاستغفار في حياة المسلم، فالله تعالى تواب رحيم يَقبل توبة عباده، ويفرح بها سبحانه وتعالى مهما بلغت درجة ذنوبهم وعصيانهم.
ولعل ذكر شيء من المضامين الشرعية الحاضة على التوبة، يذكرنا والقارئ الكريم بأهميتها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8]، وفي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ(صحيح مسلم، حديث رقم: 6960، كتاب: التوبـة، باب: في الحض على التوبة والفرح بها).
وإنني أؤكد هنا تأكيدًا جازمًا أن من كان بالله أعرف، فهو منه أخوف، فمن عرف الله حق المعرفة بأنه الخالق المدبر القادر، الغفور الرحيم، له الأسماء الحسنى والصفات العلى بيده ملكوت السماوات والأرض إذا أراد شيئًا قال له: كُنْ فَيَكُونَ: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، فلن يقدم إنسان كائن من كان على عصيانه، بل يكون شديد الحرص على كسب مرضاته وطاعته، وإن عَرَضَ له عارض مِن زلة ومعصية تذكر الله تعالى، فعاد إليه تائبًا نادمـًا؛ قـال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201].
الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 266].
أشارت هذه الآية الكريمة إلى خمسة مضامين تربوية مهمة؛ هي: العمل بطاعة الله فيما أوتي الإنسان من مال، والتخطيط الجيد لاستثمار المال، وتعليم وتدريب الأولاد على المحافظة على الأموال، والحذر من إنفاق المال في غير ما شرع الله تعالى، والتفكر في آيات الله والاتعاظ بالغير، وفيما يلي عرض لهذه المضامين:-


أولًا: العمل بطاعة الله فيما أوتي الإنسان من مال:
المالُ نعمة عظيمة من الله تعالى، وهو زينة الحياة الدنيا بنص القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14]، وقـال تعـالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: 46].
ولكنَّ الشارع الحكيم أمر رَبَّ المال بإقامة حق الله فيه بإنفاقه في الوجوه الشرعية من دفع الزكاة للمستحقين، وإطعام الطعام، ومواساة الفقراء، والمساكين، ورغب في أعمال البر من إنشاء المساجد، والدور الوقفية، وما أشبه ذلك، وَحَذَّرَ من الإسراف والتبذير اللذين هما صفة الشياطين؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء: 27]، وفي مقابلها صفة التوسط والاعتدال في الإنفاق، وهي صفة عباد الرحمن؛ كما أخبر عنهم الله تعالى بقولـه: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67]؛ ويقـول ابن كثير رحمه الله: أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم، فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)؛ كَمَا قَالَ: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 29].


ثانيًا: التخطيط الجيد لاستثمار المال:
إن الإسلام لا يُحَرِّمُ حب المال، فهو فطرة بشرية، بل يدعو المسلم بالمحافظة على ماله بتنميته، والتخطيط لذلك، وَفق خطط، ودراسات علمية، وقد كان من خيار الصحابة الكرام من هم أصحاب مال، وثراء من أمثال: سيدنا عثمان بن عفان، وسيدنا عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وقدموا للإسلام تضحيات عظيمة كان لها الدور الفاعل في خدمة الدين، فنعم المال الصالح للمرء الصالح؛ كما جـاء في الحديث الشريف أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ، وَسِلَاحَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ، وَيُغْنِمَكَ، وَأَرْغَبُ لَكَ مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو، نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ"؛ (مسند الإمام أحمد، حديث رقم: 17096، حديث عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ).


ثالثًا: تعليم وتدريب الأولاد المحافظة على الأموال:
يجب على الوالدين تعليم أولادهم منذ نعومة أظفارهم المحافظة على ما اكتسبوه من مال، والتهيؤ لمواجهة متطلبات الحياة؛ لأن الحياة متجددة، ومتغيرة، ولا يتوقع الإنسان ما يحدث في المستقبل القريب فضلًا عن المستقبل البعيد.
ويحذر كل الحذر من الإسراف على نفسه وعلـى أولاده بتلبية كل رغباتهم، فالصغير لا يدرك الأمور، ولا يحسب للعواقب، فإذا تربى على سهولة وجود المال، ولم يُعَّلِمْه ويُرَبْيه الوالدان الكسب المشروع، والمحافظ على المال، وإنفاقه في جهاته المشروعة، فبدون شك سيشب على ذلك، ويضيـع نفسه وماله، فضلًا عن الأخطار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ذلك لمجتمعه وأمته.


رابعًا: الحذر من إنفاق المال في غير ما شرع الله تعالى:
ويجب على الإنسان المسلم أن يحذَر كل الحذَر من التبذير والعبث بماله، إما بإنفاقه في ما لا يرضى الله تعالى، بأي لون من ألوان العبث والمجون؛ من شرب خمر، أو لعب ميسر، أو ارتكاب فواحش؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 27].
ويقول ابن كثير رحمه الله: أي: في التبذير والسَّفـه، وترك طاعة الله، وارتكاب معصيته؛ ولهذا قال: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)؛ أي: جحودًا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته، ومخالفته.
ويجب أن يحذر الإنسان المسلم إذا سلم من هذه المعاصي المحسوسة أن ينفق أمواله رياءً للناس، أو يُتْبِع ما أنفق منُّا أو أذى؛ لأن كل ذلك يمحق بركة المال، وقد يكون سببًا في انحراف أهله وذريته، وهذا ما لا يتمناه، أو يرومه عاقل حصيف.


خامسًا: التفكر في آيات الله والاتعاظ بالغير:
إن التفكر في آيات الله من العبادات المطلوبة من الإنسان المسلم، ويتفرد بها أصحاب العقـول السليمة والفطر المستقيمة التي عرَفت ربها، فعبَدته حق عبادته، ولذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191].
لذلك يجب على الإنسان المسلم أن يكون دائم التفكر في آيات الله تعالى؛ مثل: خلق السماوات والأرض، وما أودعه الله فيها من مخلوقات؛ كما أشارت إليه آية آل عمران المشار إليها آنفًا، ومثل: إفقار غني، أو إغناء فقير، أو زوال ملك، أو امتلاكه، أو زوال جاه، أو امتلاكه، وهو ما أشارت إليه الآية موضوع الدارسة (البقرة: 266)، وهذه الصور وغيرها، منها ما هو ثابت في القرآن الكريم، ومثاله: قصة قارون في سورة القصص؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: 76]، وما بعدها، وفي السنة النبوية الشريفة ومثاله: حديث الثلاثة من بني إسرائيل الأبرص والأعمى والأقرع في: (صحيح البخاري، رقم الحديث: 3464، كتاب: أحاديث الأنبياء)، ومنها ما نقلـه لنا المؤرخون عبر سنين خلـت، ومنها مـا نراه أمام أعيننا من حوادث الزمان، وتقلبات الأيام والليالي، وفيها من العبر والآيات الشيء الكثير، ولكن السعيد من اعتبر، وأخذ العبرة بهذه المشاهد، وأخذ العبرة لنفسه، ونقلها وعلَّمها لأولاده، ومن لهم حق عليه قبل فوات الأوان، ولات ساعة مندم.
ولعله من المناسب الإشارة إلى قصة شاهدتها رأي العين عن شخص كان متوسط الحال، ودخله بالكاد يكفيه مع أسرته، ثم أراد الله تعالى لهذا الرجل سعة في المال، فَرُزِقَ ملايين الريالات عن طريق إرث إحدى قريباته، وأخذ يبدد ماله يمينًا وشمالًا بالشراء تارة وبالسفر تارة أخرى، ولم يحسن تصرف المال ويعمل به وَفق طاعة الله وشرعه، فأخذ المال يتبدد منه شيئًا فشيئًا، وما هي إلا شهور أو سنوات قليلة، وعاد الرجل والعياذ بالله كما كان قبل الميراث!
إن من المطلوب بشكل ملح أن تنقل هذه الصور التي تمثل آيات الله تعالى في مخلوقاته إلى الناشئة والشباب في المدارس؛ ليعرفوا ويطلعوا على عظمة الله تعالى وقدرته في تصريف الأقدار بين الناس، وأن هذه الحياة ما هي إلا دار محدودة الأيام، والله تعالى يداولها بين الناس؛ ليكون الجميع على حذرٍ في التعامل مع هذه الدنيا، وألا تُعطى أكبرَ من حجمها، ولكن من الأهمية بمكان أن يخصص لكل مرحلة دراسية ما يناسبها من هذه الآيات والعبر حسب مستوى التلاميذ.

آيات الذرية ومضامينها التربوية 1





آيات الذرية في سورة آل عمران ومضامينها التربوية

لآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 33، 34].
إن هذه الآية العظيمة ركزت تركيزًا شديدًا على العناية التامة بتربية الأولاد وحسن رعايتهم؛ ليكونوا صالحين مصلحين على مرِّ الأزمان والدهور، وفيما يلي عرض لهذا التوجيه:


♦ العناية التامة بتربية الأولاد:
يقول الله تعالى: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: 58]، فالأسرة الصالحة المباركة التي تعتني بتنشئة أولادها عناية فائقة وَفْق منهج التربية الإسلامية الصحيحة، لا شك أن أولادها سيكونون على منهج الخير، والصلاح، والتقوى، وواقع الحال هو الدليل والبرهان، فالظل لا يستقيم إذا كان العود أعوج.
فلو نظرنا إلى ذرية الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، والصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين رحمهم الله والسلف الصالح ومَنْ تبعهم بإحسان، لوجدنا صدق هذه القاعدة، إلا من شذَّ عنها، ولكل قاعدة شواذ؛ كقصة نوح عليه السلام مع ابنه، وسوف تأتي الإشارة إليها إن شاء الله.
ولذلك يكون من لازم القول، أن يتنبَّه المربُّون والوالدان تحديدًا لهذه القاعدة؛ لأن واقعنا المعاصر اليوم يموج بكثير من القضايا التي سببها عدم قيام الوالدين بتربية أولادهم التربية الإسلامية، فضيَّعوا هذه الأمانة الجسيمة، وفرطوا فيمن حمَّلهم الله تعالى مسؤوليتهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَـنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ؛ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))[1]، ولا شك أن إثم التفريط في تربية الأولاد عظيم وكبير جدًّا عند الله تعالى، استنادًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُـوتُ))[2].
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [آل عمران: 36].
أشارت هذه الآية الكريمة إلى أربعة توجيهات تربوية مهمة؛ هي: مناجاة الله تعالى والقُرْب منه، والشكوى إليه، وأهمية دور الأم في تربية الأولاد، والرضا بما قسم الله تعالى من الذرية، وتفويض الأمر إليه، وتحذير الأولاد من عداوة الشيطان لهم، وفيما يلي عرض لهذه التوجيهات:
أولًا: مناجاة الله تعالى والقرب منه والشكوى إليه:
إن مناجاة الله تعالى والقرب منه، والشكوى واللجوء إليه، وكأنه قريب أشد القرب منا، ويسمع كلامنا، ويرى مكاننا؛ أمر في غاية الأهمية، وإذا تحقَّق هذا في حسِّ الإنسان المسلم، فجعل الله مراقبًا لأعماله، ورضي بما قسمه له، فإنه متى ما دعاه، فسوف يجد الله قريبًا منه مجيبًا دعوته؛ لأن رحمة الله تعالى قريب من المحسنين، المتبعين أوامره المجتنبين نواهيه، ويصدق هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقـَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَـنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))[3].
ولعلِّي أورد قصةً واقعيةً رواها لي صاحبُها ذات يوم، فقال: كنت تخرَّجْتُ من الجامعة، وكنت أرغب أنا وزملائي في الحصول على وظيفة كعادة المتخرِّجين من الجامعة، فتواعدنا مع مجموعة من الزملاء للذَّهاب إلى شخصية مرموقة في المجتمع، وكان له علاقة شخصية جيدة مع بعض الزملاء للتوسُّط لنا لدى الجهات المختصَّة للتعيين، فأخبرت والدي بذلك، وكان والده من الصالحين؛ حفظة كتاب الله تعالى، فقال له: يا ولدي، لو كان لك صديق حميم جدًّا، وبإمكانه وقدرته أن ينهي لك موضوعك، ثم عَلِمَ أنك ذهبت إلى شخص آخر لتطلب منه أن ينهي لك ذلك الموضوع، وربما يقدر على إنهائه وربما لا يقدر، فهل صديقك الحميم جدًّا يكون راضيًا لفعلك، أم يغضب عليك؟! فقال الابن: إنه من الطبيعي سيغضب عليَّ، فقال الوالد: ألا تعلم أن الله تعالى أحق بأن تطلب منه حاجتك؟
ثم قال لي صاحب القصة: ذهبت مع زملائي، وفي نيَّتي الاعتماد على الله تعالى في تعييني، ولكن تطييبًا ومسايرة لزملائي، وعدم الشذوذ عنهم ذهبت معهم، فمـا لبثت إلا زمنًا قصيرًا وأتاني تعييني، فأخذت من والدي درسًا عظيمًا، وفعلًا كان اعتمادي دائمًا على الله في كل أمرٍ أزمع في طلبه وبعونه وتوفيقه كان يأتي ذلك الأمر بكل يُسْرٍ وسهولةٍ، وقد لمست شخصيًّا صدق وتوجُّه صاحب القصة في بعض أموره التي رأيتها، مما جعلني أستفيد شخصيًّا من هذا الموقف التربوي العظيم.
ولذلك يجب أن نغرس في نفوس أولادنا، وناشئتنا الاعتمادَ على الله، والاستعانة به؛ لأننا نرى اليوم بُعْد الناس عن ذلك، فما تكون استعانتهم لله إلا بعد طلب الاستعانة من المخلوقين، ولنا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته لابن عمه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما درس تربوي عظيم يؤكد أهمية الاعتماد والاستعانة بالله تعالى أولًا وأخيرًا؛ فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، قال: " كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: ((يَا غُلَامُ: إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))[4].


ثانيًا: أهمية دور الأم في تربية الأولاد:
للأُمِّ دورٌ عظيم، ومهم جدًّا في تربية الأولاد، ربما يفوق دور الأب، وإن كان لكل منهما مجاله، واختصاصه، وأهميته؛ ولكن لطبيعة وضع الرجل وانشغاله الدائم خارج البيت بسبب كسب الرزق له، ولأولاده، فإن الأم تتحمل العبء والهم الأكبر في التربية، والتوجيه، والإصلاح، وهذا أمر يعرفه المتخصصون في التربية، ومن تأمل ونظر أحوال الناس قديمًا وحديثًا عرف تأثير الأم في أولادها تبيَّن له حقيقة ذلك بكل وضوح وجلاء.
ولعل قصة الإمامين محمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل الشيباني رحمهما الله تعالى وكفالة أم كل منهما لولدها بعد وفاة أبيه وهما طفلان صغيران، وقيامها بحسن تربيته ورعايته، وما بلغا من علم وفضل ومكانة يشار إليهما بالبنان في الماضي والحاضر والمستقبل ليؤكد الدور الكبير والمهم الذي يمكن للأُمِّ أن تؤديه في تربية أولادها.
ولذلك أكدت الشريعة الإسلامية على حُسْن اختيار الزوجة والتي ستضطلع بهذه الرسالة التربوية المهمـة؛ فقـال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ))[5].
فينبغي للزوج أن يُحْسِن اختيار أم أولاده، فهذا حق من حقوقهم، حتى لا يحدث من سوء الاختيار تعثُّر الحياة الزوجية والإساءة إلى تربية الأولاد وتوجيههما، فيكون ذلك سببًا في عقوق أولاده له ولها مستقبلًا، وفي الوقت ذاته، على المؤسسات التربوية والاجتماعية المختلفة أن تعتني بتأهيل الأمهات المقبلات على الزواج، ليعرفن ما لهن وما عليهن، فإن حُسْن إعدادهن وتأهيلهن له مـن الآثار الإيجابية على الأسرة، والمجتمع، والأمة الإسلامية الشيء الكثير، :

وكما أكدت الشريعة الإسلامية على حسن اختيار الأمِّ، فقد أكَّدت أيضًا على حُسْن اختيار الأب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، وَفَسَادٌ))، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: ((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ[6].


ثالثًا: الرضا بما قسم الله تعالى من الذرية وتفويض الأمر إليه:
يميل الإنسان ربما بفطرته إلى تفضيل الذرية الذكور على الإناث، إضافة إلى الموروثات، والعادات، والتقاليد التي تُمجِّد، وتتفاخر بإنجاب الذكور؛ ولكن ليس ذلك بيد الإنسان، فهو والحالة هذه مخلوق مُسَيَّرٌ، ليس له من الأمر شيء سوى أنه سبب جعله الله موصلًا إلى تكوين الجنين في بطن أمه، والخالق المدبِّر سبحانه وتعالى هو المقدر للذكورة والأنوثة؛ قال الله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ [الشورى: 49، 50].
فسير هذه الآية: إن الله جعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم مـن يعطيه من النوعين، ذكورًا، وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له، ولا ولد له؛ لأنه عليم بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام، وقدير على مـن يشاء من تفاوت الناس في ذلك.
وبعد هذا التوجيه الإلهي ما على الإنسان المسلم إلا الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره، فيما يُرزق من ذرية؛ بل يحمد الله، ويثني عليه، فما رُزق به هو الخير المستحق له دون أدنى شك؛ لأن عدم التسليم والاعتراض لا يجدي ولا يغيِّر من قضاء الله تعالى وقدره شيئًا؛ بل قد يكون وبالًا عليه، وقدحًا في عقيدته وإيمانه.


رابعًا: تحذير الأولاد من عداوة الشيطان لهم:
إن عداوة الشيطان للإنسان ليست وليدة اليوم، أو لها وقت محدد؛ بل هي قديمة منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام، فامتنع من السجود له عصيانًا وتمرُّدًا على الخالق جل وعلا، وتستمرُّ إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.
وقد حذَّرنا الشارع الحكيم في كثير من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية المطهرة منه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 11 - 17]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6].
وقال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ))[7].
وقد حفظ الله تعالى عباده المخلصين من عداوة الشيطان، واستثناهم الله عز وجل في قوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: 42]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ﴾ [الإسراء: 65].
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾؛ أي: تسلُّط وإغواء؛ بل الله يدفـع عنهم - بقيامهم بعبوديته - كلَّ شـرٍّ، ويحفظهم من الشيطان الرجيم، ويقـوم بكفايتهم، ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ﴾ لمن توكَّل عليه، وأدَّى ما أمر به؛ ولذلك يجب على الوالدين تنبيه الأولاد على عداوة إبليس المتأصِّلة لهم، فيكونوا على حذر من نزغاته ووسوسته بالاستعاذة منه، وبكثرة العبادة، والمحافظة على الصلوات، وقراءة القرآن الكريم، والأذكار الشرعية الصباحية والمسائية.
ولعل أهم التوجيهات الشرعية لكفِّ أذى الشيطان الرجيم الذي يجب على العبد المسلم الأخذ بها؛ هي: المداومة على قراءة آية الكرسي، وسورتي المعوِّذتين؛ لما ثبت في الحديث الشريف: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ))[8].
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَـالَ رَسُـولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقل أَعُوذُ بِـرَبِّ النَّـاسِ))[9].
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وَيَقُولُ: يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَـا، قَـالَ: وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَـا بِهِمـَا فِي الصَّلَاةِ [10].
الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران: 38].
أشارت هذه الآية الكريمة إلى توجيهين تربويَّين مهمَّين؛ همـا: الدعاء للذرية، وتحرِّي الأوقات المناسبة لقبول الدعاء، وفيما يلي عرض لهذين التوجيهين:


أولًا: الدعاء بطلب الذرية الصالحة:
سبقت الإشارة إلى أهمية الدعاء للذرية (في التوجيه الأول من الآية الثانية في سورة البقرة).


ثانيًا: تحرِّي الأوقات المناسبة لقبول الدعاء:
إن الله كريم ذو فضل وجود وإحسان، ومن باب العقل السوي والمنطق السليم، فلو كان لك عند مخلوق وهو صاحب جاه، أو مكانة حاجة، فلا بد لك أن تختار الوقت المناسب وتتهيَّأ له باختيار الكلام البليغ، ولبس أفضل الملابس وتطييبها، وما شابـه ذلك، ولله تعالى المثل الأعلى فهو أحقُّ بأن يتهيَّأ له، وقد ذكر الإمام النووي في كتابه الأذكار آدابًا كثيرة للدعاء نقلًا عن الإِمام أبي حامد الغزالي في الإِحياء يرحمهما الله تعالى، ولأهميتها في موضوع دراستنا، وحاجة الناس إليها نذكرها:


الأول: أن يترصَّدَ الأزمان الشريفة، كيوم عَرَفَة، وشهر رمضان، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل، ووقت الأسحار.


الثاني: أن يغتنمَ الأحوالَ الشريفة؛ كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة وبعدَها، وحالة رقَّة القلب.


الثالث: استقبالُ القبلة، ورفعُ اليدين.


الرابع: خفضُ الصوت بين المخافتة والجهر.


الخامس: ألَّا يتكلَّف السجعَ.


السادس: التضرُّع، والخشوعُ، والرهبة.


السابع: أن يجزمَ بالطلب، ويُوقِن بالإِجابة، ويصدقَ رجاءه فيها، ودلائلُه كثيرةٌ مشهورة؛ قال سفيان بن عُيينة رحمه الله: لا يمنعنَّ أحدَكم من الدعاء ما يعلمُه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شرَّ المخلوقين إبليس؛ إذ قال: ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴾ [الأعراف: 14، 15].


الثامن: أن يُلحَّ في الدعاء ويُكرِّره ثلاثًا، ولا يستبطئ الإِجابة.


التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى، وبالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك كله أيضًا.


العاشر: أهمها والأصل في الإِجابة هو: التوبةُ وردُّ المظالم وأكل الحلال، والإِقبال علـى الله تعالى[11].


آيات الذرية ومضامينها التربوية 1



آية الذرية في سورة النساء ومضامينها التربوية

قال الله تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9].
أشارت هذه الآية الكريمة إلى توجيهين تربويين مهمين؛ همـا: الحذر والوقاية سبيل للنجاة من الزلل، وأحبَّ لأخيك المسلم ما تُحبه لنفسك، وفيما يلي عرض لهذين التوجيهين:
أولًا: الحذر والوقاية سبيل للنجاة من الزلل:
إن الإسلام دين الوسط والاعتدال، وشرائعه متوافقة مع فطرة الإنسان التي فطر الله الناس عليها، والإنسان بضَعفه، وقصوره البشري يَميل في بعض الأحيان إلى الاعتداء على الآخرين بأية وسيلة من وسائل الاعتـداء المضرة بالآخر، ولكون شرائع الإسلام جاءت لحفظ المقاصد الشرعية، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وقد ركزت الكثير من التشريعات على تنظيم العلاقات البشرية؛ حتى يتمَّ حفظ الحقوق: حق الله تعالى أولًا، ثم حق العباد الذي أمر الإسلام برعايته وحفظه ثانيًا.
ومن توجيهات الشارع الحكيم، هناك عدة خطابات في موضوعات متعددة تؤكد الجانب الوقائي، بمعنى تحذير الإنسان من مغبة الوقوع في أمر محذور، وهو ما يعرف تربويًّا بأسلوب الترهيب، وقد ألَّف الإمام المنذري رحمه الله تعالى كتابه المشهور الترغيب والترهيب، وذكر في جانب الترهيب الكثير من التوجيهات الشرعية التي تجعل المسلم على حذرٍ من إتيانها.
والعقل السليم والفطرة السليمة تتفاعل بشكل إيجابي مع التوجيهات، فتكون على حذر من الوقوع في المحظور؛ خوفًا من عقاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، ولذلك نجد أن القرآن الكريم كثيرًا ما يكرِّر الأمر بتقوى الله تعالى في تصرُّفاتنا وسلوكيَّاتنا الظاهرة والباطنة لأجل الابتعاد عن إيذاء أنفسنا وإيذاء الآخرين.
ومما يجب أن يعتني به الإنسان هو: ضبط أقواله، وأفعاله، فتكون وَفق منهج الله تعالى، فلا يغتاب أو ينم، أو يشتم أحدًا، فإما أن يقول خيرًا، أو يصمت، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)[1].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"[2].
ولذلك يجب على الوالدين العناية بتقوى الله تعالى في السر والعلن، وغرسها في نفوس أولادهم، فهي سبيل النجاة لهم أولًا، ولأولادهم ثانيًا.


ثانيًا: أحبَّ لأخيك المسلم ما تحبه لنفسك:
أورد الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسير الآية المشـار إليها قولًا لابن عباس رضي الله عنهما، فقال: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعـه أن يتقي الله، ويوفقه، ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشِي عليهم الضيعة.
وهذا القول لحبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما يؤكِّد مبدأ معاملة الناس بما تحب أن يعاملوك به، أو أن تحب للناس ما تحبه لنفسك، وهذا ما أسَّسه نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما جاء في الحديث الشريف: "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَـنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَـالَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ، أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ مَـا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"[3].
وأيضًا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ، تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِـكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ"[4].
وفي الواقع أننا بحاجة ماسَّة جدًّا اليوم إلى تطبيق هذا التوجيه التربوي الكريم؛ لأننا في زمان طغَت على تصرُّفاتنا الأنانية والأثرة، فأصبَحت الغالبية العظمى لا تفكِّر إلا في نفسها وخاصتها وفصيلتها فقط، وبنظرة غير فاحصة تجد صدق ذلك، والله المستعان!
آيات الذرية ومضامينها التربوية 1








آيات الذرية في سورة الأنعام ومضامينها التربوية

الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ [الأنعام: 133].
أشارت هذه الآية الكريمة إلى ثلاثة توجيهات تربوية مهمة، هي: غرس معاني أسماء الله الحسنى وصفاته في الناشئة، والاهتمام بمُراعاة سُنَن الله في خَلْقِه، وطاعة الله تعالى باتِّباع ما شرع أمرًا ونهيًا، وفيمـا يلي عرض لهـذه التوجيهات:


أولًا: غرس معاني أسماء الله الحسنى وصفاته في الناشئة:
إن الله سبحانه وتعالى غنيٌّ رحيمٌ، له الأسماء الحسنى، والصفـات العلى، وكثيرٌ منَّا يقرأ أسماء الله الحسنى، وصفاته العُلى؛ ولكن دون تدبُّرٍ وتأمُّلٍ، ووَعْي وإدراك لما تتضمَّنه من معانٍ سامية جليلة، تغـرس في النفس البشرية الثقة واليقين بقدرة الله تعالى وعظمته.
وهذا التوجيه مبحث تربوي عظيم، يحتاج من المربين بعامة والباحثين التربويين بخاصة مزيدَ عنايةٍ واهتمامٍ، لبيان مدلولات ومضامين أسماء الله الحسنى وصفاته العلى؛ لغرسها في نفوس الناشئة، لتكون دافعًا قويًّا لزيادة الإيمان، وسياجًا ومنعة من التفريط في جنب الله تعالى.


ثانيًا: الاهتمام بمراعاة سُنَن الله في الأرض:
إن الحياة منذ أن خلق الله تعالى الأرض، وهي تسير إلى أجل مُسمًّى عِلْمُه عند الله سبحانه، والناس فيها في ابتلاء وكرٍّ وفرٍّ يتكون من خلال ذلك كله الثقافات والحضارات، وكم من أُمَمٍ عاشت سنين طويلة، ثم أصبحت في ذاكرة التاريخ تُروى أخبارُهم، وما كانوا عليه من صلاح أو فجور.
والله تعالى خلق الخلق لعبادته واتِّباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، والكون كله بما فيه تحت مشيئته وقدرته سبحانه وتعالى، وقد وضع له قوانين وسُنَن عامة يسير عليها، ومَنْ عرفَها والتزم بها التزامًا كاملًا نهج نهجًا موفَّقًا، فاستحقَّ رضا الله تعالى في الدنيا والآخرة، ومَنْ سارَ على غير هُدًى، ولم يتعرَّف على سُنَن الله تعالى، فسيكون مآلُه الخيبة والخُسْران، والعياذ بالله.
ويجب على الإنسان المسلم أن يأخذ العبرة، والعظة من أحوال الناس والأُمَم السابقة، وأن الله قادر على إهلاك أُممٍ، والإتيان بغيرها، وأن يتعرف على السُّنَن الكونية التي تسير عليها حياة الأُمَم، وقد تأكَّد هذا في كثير من توجيهات الشارع الحكيم؛ فقال تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]، وقال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النساء: 26]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [الأنعام: 11]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [النمل: 69]، وقـال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ﴾ [الروم: 42].
وتأكيدًا على أهمية أخذ العبرة والعظة من أحوال الناس والأُمَم، فقد أكَّد الله سبحانه وتعالى على أهمية ذلك؛ فقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2].
ويؤكِّد الشيخ السعـدي رحمـه الله في تفسيـره عنـد قول الله تعالى: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2]؛ أي: البصائر النافذة، والعقول الكاملة، فإن في هـذا معتبرًا يُعرَف به صُنْعُ الله تعالى في المعاندين للحق، المتَّبعين لأهوائهم، الذين لم تنفعهم عِزَّتُهم، ولا منعَتْهم قوَّتُهم، ولا حصَّنَتْهم حصونُهم، حين جاءهم أمر الله، ووصل إليهم النكال بذنوبهـم، والعبرة بعموم اللفـظ، لا بخصوص السبب.
ويقول رحمه الله تعالى: إن هذه الآية تدل على الأمر بالاعتبار، وهو اعتبار النظير بنظيره، وقياس الشيء على مثله، والتفكُّر فيما تضمنته الأحكام من المعاني والحكم، التي هي محـل العقل، وتتنـوَّر البصـيرة، ويزداد الإيمان، ويحصل الفهم الحقيقي.
كمـا بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلـم أهمية الاتـِّعاظ بالغير، فقـال: ((الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ))[1].
والمسلم العاقل ينبغي له أن يأخذ بهذا التوجيه القرآني، فينظر في حال الناس من زاوية، وحال هذه الأُمَم من زاوية أخرى، فيأخذ من قصصهم وأحوالهم العبرة، والعظة، بمعنى إذا كانوا على خير، وهداية، وصلاح، فيقتدي بهم، ويُتابعهم في ذلك وَفْق ما قرَّرَتْه الشريعة، أما إذا كانـوا على غواية وضلال وفجور، فيحذر كل الحذر مما آلوا إليه من سوء خاتمة، والعياذ بالله تعالى.


ثالثًا: طاعة الله تعالى باتِّباع ما شرع أمرًا ونهيًا:
تشير الآية الكريمة إلى قضية مهمة للغاية؛ وهي: أهمية طاعة الله تعالى، والعمل بها في كل ما أمر به الشارع الحكيم، واجتناب كل ما نهى عنه؛ لأن المخلوق يريد كل ما هو في سلطانه يسير وَفْق مراده، وما خطَّط ورسم له خاليًا من المنغِّصات، ولله المثل الأعلى، فهو الخالق المدبِّر سبحانه وتعالى، يريد ملكه بكل ما فيه خاليًا من أنواع الظُّلْم، والموبقات، والمعاصي، والذنوب، ومَنْ تغافَلَ عن أوامره ونواهيه، فعاقبته الزوال، وسوء المصير، والعياذ بالله من ذلك، وهي سُنَّة ماضية لكل من كان هذا دَأْبَه.
وهذا ما عبَّرَ عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه حيث قال: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ، وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: ((إِنَّ الْحَـلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَـرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمـَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))[2].
فالمسلم البصير الموفَّق بتوفيق الله تعالى يلتزم طاعة ربِّه سبحانه في كل أوامره، ونواهيه، وإن مسَّه طائفٌ من الشيطان تذكَّر خالقَه، وما أعدَّه من عقابٍ للعاصي، وثوابٍ للمُطيع، فما يلبث أن يعود إلى صوابه، ورُشْدِه، ويستقيم على طاعة الله جل وعز؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201].
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأنعام: 84].


تضمَّنت هذه الآية الكريمة توجيهًا تربويًّا مُهمًّا؛ هو: الاقتداء بعباد الله الصالحين، وفيما يلي عرض لهذا التوجيه:
الاقتداء بعباد الله الصالحين.
لقد وجَّه الله تعالى رسوله الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بمَنْ سبَقَه من الأنبياء عليهم السلام؛ فقال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 90].
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: فقد امتثل الرسول صلى الله عليه وسلم، فاهتدى بهدي الرُّسُل قبله، وجمع كل كمال فيهم، فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين، وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فكما وجَّه الله نبيَّه سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بمَنْ قبله من الأنبياء عليهم السلام، وجَّه أُمَّتَه إلى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم؛ فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].
ولأهمية الاقتداء بالصالحين، فقد أمرنا الله تعالى بطلب ذلك في آية عظيمة من سورة الفاتحة، وهي تتكرَّر معنا في اليوم ما لا يقلُّ عن سبع عشرة مرة من غير الرواتب والنوافل، وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7].
ويُوضِّح ابن كثير رحمه الله بأن قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ هم المذكورون في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 69، 70]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصدِّيقين، والشُّهَداء، والصالحين.
ويضيف الشيخ الجزائري حفظَه الله في تفسيره: بأن صراط المنعم عليهم يشمل كل من أنعم الله عليهم بالإيمان به تعالى ومعرفته، ومعرفة محابه، ومساخطه، والتوفيق لفعل المحاب، وترك المكاره.
قد أدرك أهمية القدوة الحسنة والتشبُّه بالصالحين، وحتى ولو لم يصل إلى مثل حالهم تمامًا، فيكفي التشبُّه بأحوالهم، لعل الله تعالى يجعله مثلهم بنيته، ورغبته في اللِّحاق بهم.
وبقول الشاعر المشار إليه يحضرني حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق على صحَّتِه، وهو كما رواه مسلـم في صحيحـه "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: جَـاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ؟))، قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا، بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قـَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ، وإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِـمْ"[3].
وإنني أطالب الوالدين بشدَّة بأهمية التأسِّي بأحوال الصالحين في تربية أولادهم، وفي مقدمتهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الآية الكريمة المشار إليها قرَّرَتْ مبدأً قُرْآنيًّا تربويًّا عظيمًا، وهو: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ أي: من يتأسَّى بحال هؤلاء الكوكبة النيِّرة من الأنبياء في حسن تربيتهم لأولادهم، وفي صبرهم على طاعة الله تعالى، سيجعل الله له ذريةً صالحةً مباركةً تقرُّ بهم عينُه، ويثلج بهم صدْرُه.
الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأنعام: 87].


أشارت هذه الآية الكريمة إلى توجيهين تربويين مهمَّينِ، همـا: الأخذ بأسباب الهداية، وآثار هداية المهتدي على الأسرة، وفيما يلي عرض لهذين التوجيهين:


أولًا: الأخذ بأسباب الهداية:
إن الهداية دون أدنى شكٍّ من الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56]؛ ولكنَّ هناك أسبابًا موصِّلة لها، وهي من السُّنَن الكونية التي نُظِّمَت بها الحياة، فمن رام طريق الهداية يجب عليه أن يسلك السُّبُل الموصِّلة إليها، ومنها:
1- توفيق الله تعالى لنعمة الهداية؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88].
2- الإيمان بالله تعالى، وهو محور أساس في الدين؛ لأنه يعني التصديق والاستسلام لكل ما جاء به الشرع من المغيبات، ومن وُفِّق لذلك، وُفِّق بعناية الله إلى هداية القرآن الكريم: ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 203].
3- تقوى الله تعالى، فهي الطريق الأوحد لكسب الهداية، ويُؤكِّد ذلك الكثير مـن النصوص؛ قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 282]، وقـال تعـالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17].
4- اتِّباع القرآن الكريم والتمسُّك بما جاء به مـن أوامر ونواهٍ؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101].
5- البُعْد عن اتِّباع الهوى؛ لأنه سَبَبٌ للزيغ والهلاك؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [الأنعام: 56].
6- عدم اتِّباع الشيطان وخطواته؛ لأنه العدوُّ الأول للإنسان المتربِّص به؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 71].
7- إخلاص العبادة لله وتوحيده، وعدم الشرك به؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].
8- المجاهدة في اتِّباع أوامر الله، واجتناب نواهـيه سبَبٌ رئيسٌ لحصول الهداية من الله؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].


ثانيًا: آثار هداية المهتدي على الأسرة:
إن الرجل المهتدي الذي وفَّقَه الله تعالى للهداية وحُسْن الالتزام، سيكون بشيرَ خيرٍ على أهله، وعشيرته، فيبدأ بنصحهم، وإرشادهم، وتبيين ما يهمُّهم من أمور دينهم ودُنْياهم، ولا شكَّ أن دعوته ستلقى الكثير من القبول، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، وكم رأينا من رجل صالح مُصلِح أثَّر إيجابًا في أهله، وذويه، فأصبحوا في أجواء الهداية مُنعَّمين وتحت ظلالها الوارفة متفيِّئين.
آيات الذرية ومضامينها التربوية 1


آيات الذرية في سورة الأعراف ومضامينها التربوية


الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172]
أشارت هذه الآية الكريمة إلى توجيهين تربويين مهمين؛ هما: عدم التمايز إلا بالتقوى، والمحافظة على سلامة الفطرة البشرية، وفيما يلي عرض لهذين التوجيهين:


أولًا: عدم التمايز إلا بالتقوى:
تُقرر الآية الكريمة بوضوح أن جميع البشر من نسل آدم عليه السلام، وفي الآية التالية يتضح لنا أنه لا فرق بين عربي وعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].
وقد أكَّد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حجة الوداع في خطبته المشهورة، فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَلا هل بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ: وَلَا أَدْرِي، قَالَ: أَوْ أَعْرَاضَكُمْ، أَمْ لَا، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَـالَ: لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ"[1].
وإن ما يشاهد اليوم من تمييز مقيت في البلاد غير الإسلامية: في اللون والجنس والمعتقد، فلا يستغرب منهم ذلك؛ لجهلهم وبعدهم عن توجيهات الإسلام السامية، أما أن يكون التمييز داخل بلاد الإسلام، فهذا ما يأباه العقل السليم والفطرة السوية، وتؤكد رفضه توجيهات الشارع الحكيم، فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ"[2].
ومما يؤكد عظمة الإسلام، ونبذه للعنصرية والعصبية الجاهلية، قول الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما احتج المهاجرون والأنصار عام الخندق في انتساب سلمان الفارسي رضي الله عنه لكل منهم، فحسم الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر، فقال قولته الخالدة: "سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ"[3].
وأيضًا تقديمه لصهيب الرومي، ولبلال الحبشي رضي الله عنهما، واعتبرهما ضمن كبار شخصيات أصحابه رضي الله عنهم، وأمَّر الرسول صلى الله عليه وسلم على قيادة جيشه أسامة بن زيد رضي الله عنهما - وهو شاب في الثامنة عشرة، وأبوه كان عبدًا، فأعتقه النبي صلى الله عليه وسلم - وجعل تحت قيادته مجموعة من كبار أصحابه السابقين في الإسلام.
وفي المقابل نجد عم الرسول صلى الله عليه وسلم أبا لهب - وهو شريف وقرشي - نزلت في ذمه سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة، وهي سورة المسد؛ قال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد: 1 - 5].
لذا يجب أن يُغرس هذا التوجيه التربوي في نفوس أولادنا وناشئتنا، وأن يبين لهم السلبيات الخطيرة القائمة على التمييز بين المسلمين في اللون والجنس في مجتمعات الأمة الإسلامية، وينبغي أن يؤكَّد تأكيدًا كبيرًا، عبر مراحل الدراسة المختلفة، وعبر وسائل الإعلام المختلفة، مع بيان سيرة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم في مواقفه العظيمة التي تؤكد أن الرابطة الحقيقية بين المسلمين هي رابطة الإسلام، وما سوى ذلك مرفوض جملةً وتفصيلًا.


ثانيًا: المحافظة على سلامة الفطرة البشرية:
غرس الله تعالى في فطرة البشر من حين خروجهم من أصلاب آبائهم - الإشهادَ على ربوبيته، بأنه هـو الخالق وحده، والمدبر لا شريك له جـل في علاه، ولكن ربما تحدث مؤثرات خارجية على فطرة الإنسان، فتتغير من الدين الصحيح دين التوحيد إلى أديان فاسدة، ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا يُصدقه حديث الرسول صلى الله عليه وسلـم المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟"[4].
وهنا يجب على الوالدين العناية التامة، للمحافظة على فِطَر أولادهم، بتربيتهم تربية إسلاميةً صحيحة، والاجتهاد قدر المستطاع بإبعادهم عن ملوثات الفطرة: من خلال ما يعرض في القنوات الفضائية الهابطة من مسلسلات، وأفلام، وأغان ساقطة، وعبر ما يبث في مواقع الإنترنت، وما ينشر في بعض الصحف والمجلات من صور وأفكار منحرفة، وغير ذلك من المؤثرات السلبية، وينبغي الحرص على إيجاد بيئات صالحة للأولاد، مقرونة بالتوجيه والنصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة.
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 173].
أشارت هذه الآية الكريمة إلى توجيهين تربويين مهمين؛ همـا:
طلب العلم الشرعي، والتبصر بأمور الدين.
والتحذير من الاقتداء بالوالدين إن كانا على ضلال.


وفيما يلي عرض لهذين التوجيهين:


أولًا: طلب العلم الشرعي والتبصر بأمور الدين:
تقع على عاتق الإنسان - إذا بلغ درجة النضج والكمال العقلي - مسؤولية التبصر بأمر دينه؛ لمعرفة حقائق الأمور، وهذا ولله الحمد ميسر بأسهل الطرق في زماننا هذا، ومن أراد الله له الهداية والرشاد، وفَّقه الله لذلك.


ثانيًا: التحذير من الاقتداء بالوالدين إن كانا على ضلال:
إن المشكلة تكمُن في غفلة وقصور الكثير من البشر عن البحث والتحري لمعرفة الحقيقة في مجال العقيدة، فتراهم يلجؤون إلى أسهل الطرق، بالاعتماد على ما كان عليه الآباء والأجداد، حتى وإن كانوا على ضلال وغواية، وهذا العجز والقصور يَمقته الإسلام مقتًا شديدًا، جاء في تسع آيات من القرآن الكريم، ولأهمية هذا التوجيه وخطورة التنبه له، نذكر كل هذه الآيات، لكي يتنبه المربون المخلصون إلى هذه القضية؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة: 104]، وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 28]، وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 78]، وقولـه تعـالى: ﴿ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 53]، وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ [الشعراء: 74]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ [لقمان: 21]، وقـوله تعالى: ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 22]، وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 23].
ولذلك ينبغي على المربين التحذير من الانجراف وراء تعاليم الآباء الخاطئة بانغلاق ودون وعي ولا تبصُّر، ولا بحث عن حقائق الأمور بميزان الشرع الحنيف ووسطيته، وخير وسيلة لذلك طلب العلم الشرعي من العلماء المعروفين بسلامة دينهم وتوجُّههم، وإخلاصهم لدينهم وأمتهم.
كما يجب التنبيه إلى عدم الانسياق وراء التوجهات العقدية الخاطئة للوالدين، والعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه بالحكمة والموعظة الحسنة، مع الحفاظ على مكانة الوالدين وبرهما والإخلاص لهما؛ امتثالًا لقول الله تعـالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: 8].
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: إن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فيما، روى الترمذي عن مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، فَذَكَرَ قِصَّةً: وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَـرَ اللَّهُ بِالْبِرِّ، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ، قَالَ: فَكَانُـوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا شَجَرُوا فَاهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي ﴾ [العنكبوت: 8].
شبكة الالوكة

آيات الذرية ومضامينها التربوية 1




أدوات الموضوع


قد تكوني مهتمة بالمواضيع التالية ايضاً
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى
(إن الله يدافع عن الذين آمنوا) ومضامينها التربوية امانى يسرى القرآن الكريم
آية الذرية في سورة الأحقاف ومضامينها التربوية امانى يسرى القرآن الكريم
ربى لا تحرمنى سماع بكائه معلنا قدومه لدنياى ♥ احبك ربى ♥ مدونآت الاعضآء!
الدعاء المعجزة Aziza_Algérie الارشيف والمواضيع المكررة
ادعولي بالحمل والله راح طق اللهم أهدي قلوبنا مضيفة عدلات


الساعة الآن 04:37 AM


جميع المشاركات تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع


التسجيل بواسطة حسابك بمواقع التواصل